قائمة المدونات الإلكترونية

4‏/11‏/2014

هل الشعر ديوان العرب؟


مقولات خارج الفكر

 

إننا نجد فكرة ثاوية في القول المأثور:(الشعر ديوان العرب)، تلك العبارة تستخدم للدلالة على أهمية الشعر عند العرب، وهي فكرة ضاربة الجذور في الفكر العربي منذ أمد بعيد، وهي بذلك خارجة عن المفكر فيه، على اعتبار خروج العبارة من التداول إلى أفق الاستخدام الخاص للغة، وهي بذلك تلعب دورا معاكسا للمصادرة الأولى التي تساوي (المصادرة على الأصل الجاهلي المدان) في ذات الحقل الأيديولوجي ولكنها متمسكة بحبال الأدب، ولعلها فكرة إيجابية عن إبداع الإنسان الجاهلي، وبالخصوص عند الحديث عن الشعر كفن القول الأول عند العرب الجاهليين، ذلك القول الذي يرفع الشعر الجاهلي إلى مصاف تدخله في تقاطع مع دائرة المقدس، إذ به تنفتح مغاليق النص القرآني، وبالتالي تنفي عنه كل ملامح المصادرة الأولى على الأصل التي تحيل إلى الشعور بالخزي العارم من الإنسان الجاهلي المدان بشكل مطلق لمجرد أنه عاش تلك الفترة من التاريخ دون حكم موضوعي.

 

وتلعب ذات الفكرة دورا ثانيا حين تتجلى ضمن مقولة ابن عباس: (الشعر ديوان العرب)، إذ بها تنفي عن الشعر العربي الجاهلي وصمة الخزي المصاحب لإنسان العصر الجاهلي، وتقوم المقولة السابقة بعمل معاكس في المجال الأيدلوجي بتمجيدها لدائرة من دوائر الفن المنتج من قبل الإنسان الجاهلي، وتعمل على إدخاله في دائرة المقدس الإسلامي، وبالتالي الكشف عن تناقض حاد بين إنسان جاهلي مدان بالكامل في أخلاقه، وحياته ومعتقداته، حتى توصله إلى درجة يستحق معها البتر من تاريخنا، والتبرؤ منه تحت حد الجب التاريخي الممارس بعمق خلال فترة التاريخ المنصرم، وبالرغم من ذلك إلا أنها تمجد ما أبدعه ذلك الإنسان من الشعر (ونلاحظ الشعر فقط)، وتربطه بدائرة المقدس الإسلامي بنصه الأول  المتمثل في النص القرآني، بل وتجعله دليلا على عروبة القرآن ذاته، ولكن الإنسان الجاهلي يظل هو ذاته الإنسان الذي تصوره الأيدلوجا على انه لم يكن يتمتع بأدنى درجات الحضارة ناهيك عن الرقي والإبداع الفني .. الخ.

 

سلطة مهيمنة

 

ومقولة ابن عباس السالفة الذكر والتي كررها الكثير من النقاد القدماء وأكدوا سلطتها حين قالوا "))كان الشعر في الجاهلية ديوان علمهم، ومنتهى حكمهم، به يأخذون، وإليه يصيرون)) ابن سلام طبقات فحول الشعراء .((الشعر معدن علم العرب، وسفر حكمتها، وديوان أخبارها، ومستودع أيامها.)) ابن قتيبة، عيون الأخبار (.. /..) ((الشعر ديوان العرب، وخزانة حكمتها، ومستنبط آدابها، ومستودع علومها.)) العسكري، كتاب الصناعتين ((الشعر ديوان العرب، به حفظت الأنساب، وعرفت المآثر، وتعلمت اللغة.)) ابن فارس الصاحبي "(7) .

 

وكلها تصبح تحت حد المسائلة بمجرد معرفتنا، إن الشعر لم يكن، ولا يمكن أن يكون ديوانا للعرب، خصوصا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الوظيفة الجمالية للشعر والخاضعة لشروط فن القول الشعري، وليس لحمل العلوم والمعارف والأنساب كما تصورها العقل العربي المكون، حيث يمكننا أن نتلمس من اللغة معنى الديوان فيقول صاحب اللسان "الديوان :مجتمع الصحف، أبو عبيدة : هو فارسي معرب (../..) وفي الحديث :لا يجمعهم ديوان حافظ، قال ابن الأثير : هو الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء "(8).

 

ظلال السرد

 

بينما تقف على طرف نقيض تلك المرويات عن القول السردي المفارق للشعر، والذي يحتمل كل تلك المعارف التي كانت تتداول شفاهة، وتعلم تعليما، وتنتقل بطريقة عفوية بين الأجيال، وإن كان ذلك التعليم يتسم بأنه مرتبط بأدوار الأسرة الممتدة في تلك الأيام، والذي يمثله النظام القبلي خير تمثيل، إلا انه يتمتع بآليات التنشئة الاجتماعية، التي كانت تضمن بتداوله وبقاءه استمرار الإنسان الجاهلي، وذلك بحفظه للعلوم، والتقنيات الهامة لتدبر شئون الحياة السلمية والحربية على حد سواء، ويمكن أن نشير إلى فن الخطابة المعروف في تلك الفترة، ومشاهير الخطباء العرب، وخطبهم التي سجلت في الذاكرة من أيام الجاهلية، ورويت فيما بعد بذات الآلية، التي كان يعمل بها الرواة والنسابة وغيرهم في هذا المجال.

 

وربما عنت عبارة ابن عباس الشهيرة تلك أن الشعر هو المرجع والموئل لفهم ما غمض من كلمات القرآن الكريم، وأساليبه البلاغية التي يؤكد على عروبتها بالانتماء إلى اللسان العربي، وإلى أساليب القول المعتمدة فيه، وفنونه وجمالياته المختلفة، كما اعتبرته تلك النظرة كالناظم والحافظ لأيام العرب وعلومهم المختلفة، مما حدا بالبعض فيما بعد، وكنتيجة لتسيد هذه المقولة الأيدلوجية لنظم العلوم المختلفة المستجدة في قوالب عمود الشعر، كألفية بن مالك وغيرها، وذلك استغلالا لما تألفه الأذن العربية من الإيقاع المنتظم، مما يجعل تلك المنظومات أسهل للحفظ والاسترجاع من الذاكرة، ولكنها بذلك، ولذلك بالتحديد، خرجت من دائرة الشعر إلى دائرة النظم، أي إنها افتقدت الفاعلية الجمالية التي تميز الشعر عبر أدواته المختلفة، التي لم يكن عمود الشعر إلا مظهرا من مظاهر الشكل الفني الغير جوهرية.

 

القبض على الخيال

 

ولنا أن نتصور لو كان الشعر العربي الجاهلي فعلا ديوانا للعرب بالمعني الذي نفهمه من العبارة السابقة أي أنه حافظ لتاريخ العرب وأيامها وعلومها المختلفة، لكان بذلك يخرج من دائرة الفن إلى دائرة أخرى هي تسجيل التاريخ والعلوم، كما هو حال المنظومات المختلفة التي أشرنا إلى إحداها قبل قليل، ويمكننا أن نلاحظ بسهولة إن الشعر الجاهلي ليس كذلك، كما نلاحظ تورم الاستشهاد بالشعر في كتاب الحيوان للجاحظ، للتأكيد على معلومات من المفترض إنها علمية بحتة تخضع للملاحظة والتجريب، وبذلك احتوى كتابه على معلومات نابعة من الخيال البحت، لا من الملاحظة العلمية الدقيقة، التي عادة ما تفارق الخيال وربما تتفوق عليه، ولكن الجاحظ كان في واقع الأمر يعتقد أيديولوجيا إن تصوير الشعراء وما يتخيله المبدعون منهم، يمكن إن يكون مصدرا موثوقا للمعرفة العلمية الدقيقة، وكيف لا يتصور ذلك وقد سبق الإشارة إلى الشعر على أنه حاو للتاريخ والأيام وأساليب القول والأنساب والعلوم .. الخ، كما ثبت في العقل العربي.

 

ولنا أن نتلمس أهمية تلك الفكرة التي تمجد الشعر العربي، وما تلعبه من دور مركزي في التكوين العقلي للأمة العربية، بحيث امتدت سطوتها إلى الحد الذي أغوت فيه الباحثين عن المعلومات الدقيقة للبحث عنها في متون النص الشعري بدل الواقع المعيوش، والنظر إلى النص الشعري على أنه نص عالم، يمكن النظر فيه واستقاء كل المعلومات عن الواقع المعاش منه، وربما هي ذاتها النظرة الأيدلوجية التي كرست النص الثالث، واعتبرته نصا عارفا، لا يأتيه الباطل أبدا، وهي نظرة مهلكة إذا ما دخلت عالم العلوم، والجاحظ صاحب نظرية البيان الأولى لا يلتفت إلى الطبيعة الفنية للقول الشعري، وينفي هذا الجانب، ويعتمد الفكرة السابقة التي ربما لعبت دورا بارزا في توجيه النظر العقلي للشعر خلال فترة ليست بالقصيرة، وبالتالي لم يتمكن النقاد العرب من الشعور بتلك الاستقلالية النسبية للفن عن الواقع، ذلك الفن  الذي لا يمكن أن يكون مرآة للواقع المباشر بأي حال من الأحوال، وإن كان لا يستطيع أن ينفصل عنه بمعنى من المعاني، أو يعكسه مباشرة، لكنه لا يحاكيه مطابقا إياه كالمرآة، كما تشير نظرية (المحاكاة) الأفلاطونية، على انه تنسرب في الشعر معرفة بالعالم والوجود، ولكنها ليست معرفة علمية دقيقة أنها معرفة بالممكن إذ يفتح آفاقه على المستقبل في إعادة تشكيل الواقع.



ليست هناك تعليقات: